فخر الدين الرازي
5
تفسير الرازي
* ( وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ) * . فيها دف ومزامير قبل البعثة ليسمع ، فضرب الله على أذنه فلم يوقظه إلا حر الشمس من الغد ( وسادسها ) الوزر ما أصابه من الهيبة والفزع في أول ملاقاة جبريل عليه السلام ، حين أخذته الرعدة ، وكاد يرمى نفسه من الجبل ، ثم تقوى حتى ألفه وصار بحالة كاد يرمى بنفسه من الجليل لشدة اشتياقه ( وسابعها ) الوزر ما كان يلحقه من الأذى والشتم حتى كاد ينقض ظهره وتأخذه الرعدة ، ثم قواه الله تعالى حتى صار بحيث كانوا يدمون وجهه ، و ( هو ) يقول اللهم اهد قومي ( وثامنها ) لئن كان نزول السورة بعد موت أبى طالب وخديجة ، فلقد كان فراقهما عليه وزرا عظيما ، فوضع عنه الوزر برفعه إلى السماء حتى لقيه كل ملك وحياه فارتفع له الذكر ، فلذلك قال ( ورفعنا لك ذكرك ) ( وتاسعها ) أن المراد من الوزر والثقل الحيرة التي كانت له قبل البعثة ، وذلك أنه بكمال عقله لما نظر إلى عظيم نعم الله تعالى عليه ، حيث أخرجه من العدم إلى الوجود وأعطاه الحياة والعقل وأنواع النعم ، ثقل عليه نعم الله وكاد ينقض ظهره من الحياة ، لأنه عليه السلام كان يرى أن نعم الله عليه لا تنقطع . ما كان يعرف أنه كيف كان يطيع ربه ، فلما جاءته النبوة والتكليف وعرف أنه كيف ينبغي له أن يطيع ربه ، فحينئذ قل حياؤه وسهلت عليه تلك الأحوال ، فإن اللئيم لا يستحى من زيادة النعم بدون مقابلتها بالخدمة ، والانسان الكريم النفس إذا كثر الانعام عليه وهو لا يقابلها بنوع من أنواع الخدمة ، فإنه يثقل ذلك عليه جدا ، بحيث يميته الحياء . فإذا كلفه المنعم بنوع خدمه سهل ذلك عليه وطاب قلبه . ثم قال تعالى : * ( ورفعنا لك ذكرك ) * . واعلم أنه عام في كل ما ذكروه من النبوة ، وشهرته في الأرض والسماوات ، اسمه مكتوب على العرش ، وأنه يذكر معه في الشهادة والتشهد ، وأنه تعالى ذكره في الكتب المتقدمة ، وانتشار ذكره في الآفاق ، وأنه ختمت به النبوة ، وأنه يذكر في الخطب والأذان ومفاتيح الرسائل ، وعند الختم وجعل ذكره في القرآن مقروناً بذكره : * ( والله ورسوله أحق أن يرضوه ) * ، * ( ومن يطع الله ورسوله ) * و * ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ) * ويناديه باسم الرسول والنبي ، حين ينادي غيره بالاسم يا موسى يا عيسى ، وأيضاً جعله في القلوب بحيث يستطيبون ذكره وهو معنى قوله تعالى : * ( سيجعل لهم الرحمن وداً ) * كأنه تعالى يقول : أملأ العالم من أتباعك كلهم يثنون عليك ويصلون عليك ويحفظون سنتك ، بل ما من فريضة من فرائض الصلاة إلا ومعه سنة فهم يمتثلون في الفريضة أمري ، وفي السنة أمرك وجعلت طاعتك طاعتي وبيعتك بيعتي * ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) * * ( إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ) * لا تأنف السلاطين من أتباعك ، بل جراءة لأجهل الملوك أن ينصب خليفة من غير قبيلتك ، فالقراء يحفظون ألفاظ منشورك ، والمفسرون يفسرون معاني فرقانك ، والوعاظ يبلغون وعظك